طريق النحل سيرة ذاتية تروي تجربة المؤلف، رامي علّيق – قيادي طلابي سابق في حزب الله. تمكّن علّيق من الوصول إلى الدوائر العليا والمغلقة داخل حزب الله وكان المسؤول الأول عن طلاب الحزب في الجامعة الأميريكية في بيروت. صدرت نسخة من الكتاب باللغة الفرنسية أكثر تفصيلاً – بعد كتابة المؤلف للنسخة الإنكليزية – عن دار آن كاريير الفرنسية.‏

أبصر رامي علّيق النور في بلدة مرجعيون في جنوب لبنان، حيث قضى أولى أيام طفولته في كنف أسرة متواضعة، أتت من قرية يحمر الشقيف الجنوبية لتعيش هناك وتمتهن تربية النحل، قبل أن تضطر للنزوح الى بلدات أخرى في منطقة النبطية بفعل نيران المدافع والتهجير. لازم الظلم والحرمان قرى الجنوب اللبناني، وعمّقا في رامي حسّ الانتماء إلى الناس والأرض‏.‏

مسار الأحداث السياسية والأمنية المتأثرة بأنشطة المقاومة الفلسطينية والاعتداءات الإسرائيلية، ولاحقاً النزاع بين حركة أمل وحزب الله الذي بدأ في منتصف الثمانينات، حمل علّيق، كما معظم أصدقائه، إلى الالتزام الديني والالتحاق بإحدى خلايا المقاومة المسلحة التابعة لحزب الله، وفق نظرية ولاية الفقيه التي تلتزم نهج الثورة الإسلامية في إيران وقائدها الإمام الخميني. فإذا به ابن الرابعة عشرة في صفوف المقاومين والمجاهدين يتمرّن على استعمال السلاح الحربي ويستخدمه.

لم يهمل رامي الدراسة، إذ كان من المتفوقين بين زملائه، كما كان من الناشطين في حزب الله ومن المبادرين إلى تحمل المسؤولية بلا خوف ولا تردّد. رافقه التديّن طوال فترة مراهقته وحداثة شبابه، حتى نهاية السنوات الست الأولى التي عاشها في الجامعة الأميركية في بيروت.كان فهمه للتديّن يعزز فيه الإنتماء إلى الجماعة المنغلقة على ذاتها، ويعمق فيه الجانب الروحي. كان التزامه الديني محفزاً لرفض الآخر، وفرض النموذج الذي يفهمه ويتبعه عليه، فالدين في نظره كان أهم من العائلة والوطن ومن الحرية الشخصية لأي إنسان.

انسحبت هذه القناعات والمعتقدات التي اقتبسها من خلايا النبطية الحزبية على سلوكه في قاعات وساحات الجامعة الأميركية، التي لا زالت تشهد على أعمال وأنشطة جمَّة قام بها على أرضها بلغت حدّ منع المظاهر اللاشرعية  وغير الأخلاقية التي كانت سائدة بالقوة، لاعتقاده بأنها تسيء إلى الله والبشر على حد سواء.

من الجنوب إلى ضاحية بيروت الجنوبية والجامعة الأميركية، صنع له نشاطه مكانةً مميزة بين المحيطين به. شمل ذلك العناصر والمسوؤلين الحزبيين، الطلاب، الأساتذة، المديرين، وحتى الزملاء المنافسين من الأحزاب الأخرى.

نُظّم التحرك الطلابي الكبير ضد رفع الأقساط في الجامعة في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول لعام 1994، بالتعاون مع جموع الطلبة. كانت قيادة التحرك مناسبة لتأكيد حرصه على حماية مصالح زملائه الطلاب دون مساومة. من جهة أخرى، كانت تلك مناسبة تحدّى من خلالها من أراد إبعاده عن مسؤوليته الحزبية في الجامعة من مسؤولين معيّنين في حزب الله، ولتأكيد مقدرته على تنظيم الطلاب ومواجهة إدارة الجامعة ومن ساندها من الأجهزة الأمنية حينها.

رغم حراجة الموقف وحساسيّته، نجح التحرك في توفير دعم مادّي جيد للطلاب عبر المساعدات المالية. لم يفلح التحرك الرئيسي في إسقاط زيادة الاقساط، ما خلف لديه نوعاً من الخيبة، إلا أن أحاديث الطلاب لأمد طويل لم تخل من مفخرتهم بالإنجاز الذي تمثل في توحُّد مختلف الطلاب والقوى في جهد مشترك قل نظيره، ما لبث أن خلَّف مناخاً إيجابياً وانفتاحاً وصداقات متبادلة بين طلاب حزب الله وسائر الطلاب.

نتج عن التحرك الذي تجاوز به رامي كونه ممثلاً لحزب الله، تحوّله إلى منشِّط لأكبر تجمع طلابي تشهده الجامعة الأميركية، حمل شعاراً موحِّداً دوى في كل أرجائها: وحدة طلابية، جامعة واحدة، يد واحدة.

اختار رامي دراسة الزراعة كونها الأقرب لتربية النحل، وحاز على شهادة الهندسة الزراعية من الجامعة الأميركية، ولاحقاً على شهادة الماجستير في الإقتصاد الزراعي. في الوقت ذاته، كان منكباً على دراسة الحقوق في الجامعة اللبنانية، حيث حاز على شهادته لينضم لاحقاً إلى نقابة المحامين في بيروت.

بعد ثلاثة عشر عاماً من العطاء الحزبي المتواصل، خرج من صفوف حزب الله، لكنه لم يخرج عن المبادىء التي تقوم على مقاومة التسلط والعدوان. ابتعد لأنه رفض الانصياع إلى الأوامر بدون نقاش وإبداء رأي فيها، إضافة إلى أنه صُدِم بضعف عدد من القياديين في الحزب، وعدم قدرتهم على المضي بالإصلاح الداخلي الذي طالما أنشدوه، أو تحمّل أعباء هذا الإصلاح.

سافر إلى الولايات المتخدة الأميريكية لمتابعة دراسة الدكتوراه في ولاية فلوريدا. تعرف هناك إلى نمط آخر للحياة من خلال احتكاكه بالناس، حياة الرخاء والعمل الدؤوب والإبداع. كوّن فكرة عن أهمية الديمقراطية والحرية الشخصية، وأدرك أنّ دول العالم المتطور ما هي إلا تجلٍّ لحقوق الإنسان وحرية الفرد والتقدم الإقتصادي، وإن نسبياً. تماهى مع ذلك المجتمع وأحبّ نمط الحياة فيه.

بعد ثلاث سنوات من الدراسة وبينما كان عائداً من زيارة الأهل في لبنان، تعرّض لاستفزاز منظّم في مطار كينيدي في نيويورك لأنه رفض التعاون مع مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) بحجة إجراءات ما بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، حيث نُزع منه حق العودة إلى الولايات المتحدة لخمس سنوات لاحقة، وفشلت كل محاولاته لترتيب العودة عبر السفارة الأميركية في بيروت، بسبب شرط التعاون، وتكراره الرفض أمام محاولات الإبتزاز.

كانت ضريبة الرفض أن تكبّد كلفة مالية باهظة، من أجل متابعة تسجيله في الجامعة، استثنائياً عن بعد، وإيجاد مخرج لمناقشة أطروحة الدكتوراه خارج الولايات المتحدة.

عاد إلى لبنان ليكون في مواجهة مع ما هرب منه، واجتاحته تساؤلات قوية في البداية. كيف سينطلق مجدداً في المكان الذي رفضه وحاصره حتى اليأس؟ كيف ستكون هذه البداية التالية بعد الذي استجد؟ تساؤلات لم يفكر فيها ملياً، بل سرعان ما بدّدها عبر نسج علاقات سريعة وجديدة، وقيامه بمبادرات أوجدت له مناخاً دافئاً وأعمالاً منتجةً، وأمكنةً تسمح له بإعادة التصويب والانطلاق من جديد.